ابن عجيبة
508
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بالحجج والبراهين ، أو جعلت حكيمة ؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم العملية . ثُمَّ فُصِّلَتْ ؛ بينت لاشتمالها على بيان العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار . أو فصلت سورة سورة ؛ ليسهل حفظها ، وفصلت بالإنزال نجما نجما ، في أزمنة مختلفة . أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه من الأحكام . و ( ثم ) : للتفاوت في الحكم ؛ لأن الأحكام صفة ذاتية ، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل له . نزل ذلك الكتاب مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ، ولذلك كان محكما مفصلا بالغا في ذلك الغاية ؛ لأن الحكيم الخبير لا يخفى عليه ما يخل بنظم الكلام . قائلا ذلك الكتاب : ألا تعبدوا معه غيره . وقال في القوت : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ يعنى : بالتوحيد ، ثُمَّ فُصِّلَتْ أي : بالوعد والوعيد . ثم قال : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ أي : بالإحكام للأحكام ، خَبِيرٍ بالتفصيل للحلال والحرام . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ؛ هذا هو التوحيد الذي أحكمه . إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ بالعذاب ، وَبَشِيرٌ بالثواب لمن آمن به . هذا هو الوعد والوعيد . قال البيضاوي : إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ أي : من اللّه ، ( نذير وبشير ) بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد . وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ : عطف على « ألا تعبدوا » ، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ؛ ثم توصلوا إلى مطلبكم بالتوبة ؛ فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من رجوع . وقيل : استغفروا من الشرك ، ثم توبوا إليه بالطاعة ، ويجوز أن يكون « ثم » : للتفاوت بين الأمرين . ه . قال ابن جزى : ( استغفروا ربكم ) مما تقدم من الشرك والمعاصي ، ثم ارجعوا إليه بالطاعة والاستقامة . ه . وقال الواحدي : ( استغفروا ربكم ) من ذنوبكم السابقة ، ( ثم توبوا إليه ) من المستأنفة متى وقعت . ه . يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً ؛ يحييكم حياة طيبة بالأرزاق والنعم والخيرات ، فتعيشوا في أمن ودعة . إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ؛ تمام أجلكم ، فلا يستأصلكم بالعذاب ، أو يمتعكم بالرجاء فيه والرضا بقضائه ؛ لأن الكافر قد يمتع بالأرزاق في الدنيا ؛ استدراجا ، وَيُؤْتِ في الآخرة كُلَّ ذِي فَضْلٍ ؛ عمل صالحا ، فَضْلَهُ أي : جزاء فضله ، فيوفى ثواب عمله ، أو يعطى كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة . وهو وعد للمؤمن التائب بخير الدارين . وَإِنْ تَوَلَّوْا أي : وإن تتولوا عما أمرتكم به ، فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ؛ يوم القيامة ، أو يوم الشدة بالقحط والجوع ، وقد نزل بهم حتى أكلوا الجيف . أو يوم بدر إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي : رجوعكم في ذلك اليوم الكبير ، أو بالموت ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ فيقدر على بعثهم وعذابهم أشد العذاب . وكأنه تقرير لكبر اليوم . أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ؛ يلوونها عن الحق وينحرفون عنه ، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو يولون ظهورهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لئلا يروه من شدة البغض والعداوة ، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي : من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أو : من اللّه بسرهم ، فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه . قيل : إنها نزلت في طائفة من المشركين ، قالوا : إن أرخينا ستورنا ، واستغشينا ثيابنا ، وطوينا صدورنا على عداوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كيف يعلم ذلك ؟